رؤية معاصرة
للخوف من الحرية
لإريك فروم
نستطيع بسهولة أن نميز المعالم الأساسية لسمات التبعية ومراحلها عند فروم في مجتمعنا فنتلامس مع سعي الفرد الدائم نحو الجماعة ومحاولته للتغلب على وحدته إما بسيرورة الخضوع لكيانات أكبر تغمره أو عبر سيرورة الترابط التي لا نستطيع إغفالها في العديد من الحركات والمبادرات الشبابية التي تقوم أساسا على سعى الأفراد في التجمع الإيجابي الذين يستطيعون خلاله من إنجاز شئ صالح في المجتمع.
لم أستطع خلال قراءتي لرصد فروم للتبعية _التي يهرب إليها الأفراد من مسئوليتهم نتيجة شعورهم بالعجز_أن أرى شيئا أكثر من تبعية الأفراد للمنظومة الدينية عموما ممثلة في رجال الدين(وأنا هنا بصدد الجانب المسيحي) فالأسر المسيحية وبعض الشباب المسيحيين ساعون في إثر النخب الدينية يرتشفون من أفكارهم(التي كثيرا يكون واضح وضوح العيان ضحالتها ) فهم عاجزون أن يفكروا أو ينقدوا أي فكرة وتراهم يسرفون في التحقير من نفوسهم مقابل إجلال رجل دين واتباعه والدفاع عنه وعن أخطائه بداعي العصمة ولعله من العادي أن تسمع قوالب محفوظة في أي مجتمع مسيحى_ مهما كان انفتاحه ظاهريا_ تبرر مواقف الإكليروس السياسية وتنكر تساؤلات وشكوك نضرة بجمود سخيف وكبرياء مقزز,تؤكد حالة غياب الفردانية...فما قيل عبر المنبر هو الحقيقة....وما سربه الواعظ من مشاعر هي الواقع...حتى أن بيننا نماذج تنكر ما تراه واقعيا بعينها وتصدق ما تسمعه بأذانها..ولا أدري حقيقة إن كانت هذه أزمة تتعلق بالدين في سيرورته الجامدة أم بالممارسة التي قد تقبل سيرورة مرنة وحرة للتفكير والإجتهاد مع توخي الحرص والأمانة؟!
ومن الشائك أن نتعرض للعلاقة مع الله ذاته فبدلا من المفهوم المسيحي عن (الشركة)مع الله نجد أنفسنا أمام نماذج إعتمادية بشكل فج تدمن حالة اللامسئولية وتبرر إعتماديتها بالروحانية ومن جديد يتكرر السؤال والحيرة أهي طبيعة الدين أم خطأ الممارسة!
ولا يمكننا إنكار الجانب الأعم في المجتمع المصري عموما حيث أن الالة الإعلامية بصحافتها وقنواتها تعمل جادة للحفاظ على تبعية متابعيها بغض النظر عن صحة ما تنشره فمن الشائع أن تسمع شخصا يردد ما سمعه في الإعلام ولا يقبل إلا أن هذا هو الحقيقة المطلقة وهنا يتساوى المحافظ مع الثوري مع اليساري فكل منهم له صنم يتبعه مع إختلاف الدرجات والالة الإعلامية قد أخذت على عاتقها عبر التكرار الغير معتد التقليل من شأن ثورة يناير ونشر حالة الضبابية وما ترسبه من العجز حتى عاد الشعب إلى الحط من شأن نفسه والبحث عن الحقيقة الجاهزة فأصبح للغالبية(حتى الثوريين) شخص أو صحيفة أو قناة يسلمون عقولهم لها تتبنى عنهم مسئولية التفكير بشكل خبيث يقيهم من خطورة التساؤل ومن مسئولية السعي في إثر الحقيقة.
فنحن في حالة مزرية من غياب الأصالة فنادرا ما تجد شخصا أصيل في أفكاره يتمتع بحس نقدي ومرونة للتغيير حتى إنك لو وجدت أحد هؤلاء وإن إختلفت معه في الرأي كليا تشعر أنك أمام كنز تريد الحفاظ عليه فأغلب الاراء معلبات وأغلب الأماني مكررة وأكثر النفوس جزعة محبطة لا تتجاسر على فعل شئ,إنساننا غارق منتظر دائما من يمد له يد العون _على كل المستويات الروحية والإقتصادية والإجتماعية_حتى الحياة الشخصية في إنتظار من ينظمها لك ويفتيك في شأنها,الفرد يتلاشى أمام المجموع وتدفن معه كل رغباته وتساؤلاته وأحلامه بشكل لا واعي.
وطبيعي ألا يستطيع هذا البالغ العاجز بل ولا يرغب أن ينشأ طفل بإبداعية وفطنة فأسئلة الأطفال أجوبتها جاهزة وطرق تعليمهم قائمة على الحفظ والتكرار فالعادي في يومنا رجال بالغون يرددون ما حفظوه في المدارس مما تنفيه مئات المصادر,الثقافة مهملة ومسئولية التعلم ملقاة لقادة يتولون عنهم الأمر ويسربون ما يعمل لمصالحهم ,الأكاذيب منتشرة كالهواء,فلا عجب أن ترى طفلنا يجبر على حقائق ويوجه رغما عن إرادته في غالبية مراحل عمره,نحن أمام طفل مختنق بين دهشته الناشئة وأجوبتكم المعلبة.....بين شغف الحياة,وسجون الفكر فطفلنا إما تال مردد لما تكرر من حقائق مشجع من مجتمعه على مثاليته الخانعه ,إما هارب ضال منعوت بالإنحلال والإنحراف عن مسلك اباؤه.
وأخيرا فحالنا ليس حتمي ولا مصيرنا محسوم فالحرية تسعى لمن يسعى إليها فلنسعى لحياتنا وحقيقتنا